في تاريخ البشرية لحظات فارقة غيّرت مجرى الأحداث وصاغت وجدان العالم، غير أن أعظم تلك اللحظات وأعمقها أثرًا هي اللحظة التي أشرقت فيها الأرض بنور ميلاد خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. لم يكن مولده مجرد حدث زمني مرّ على جغرافية صحراوية مقفرة، بل كان إيذانًا بفجر جديد لمستقبل الإنسانية جمعاء، وانتشالًا للروح البشرية من ظلمات الجهل والظلم إلى أنوار العدل والرحمة.
تتجلى فرادة الرسالة المحمدية في كَوْنها رسالة إنسانية شاملة لم تستهدف فئة دون أخرى، بل خاطبت الفطرة البشرية أينما كانت. ويمكن إيجاز جوهر هذه الرسالة في نقاط رئيسية:
ترسيخ الكرامة الإنسانية: أعاد صلى الله عليه وآله وسلم للإنسان قيمته، فحارب الطبقية والعرقية، وجعل المقياس الوحيد للتفاضل هو التقوى والعمل الصالح.
الرحمة الشاملة: تجسدت فيه صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة المهداة في أبهى صورها؛ فملأت رحمته الصغير والكبير،وشملت حتى الحيوان والجماد.
البناء الأخلاقي والفكري: دعت الرسالة إلى إعمال العقل، ونبذ الخرافة، وأرست دعائم دولة الحق والمواطنة والعدل، متوَّجة بالخُلُق العظيم الذي أثنى عليه رب العزة.
إن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف ليس مجرد استحضار لتاريخ مضى، بل هو تجديد للعهد مع المنهج والرسالة. إنها مناسبة متجددة لاستلهام القيم السامية التي أرسى دعائمها الهادي الأمين؛ لاستعادة تماسك مجتمعاتنا، ونشر السلام والمحبة، والتخلق بأخلاقه عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم في معاملة الآخرين، والعمل بروح المسؤولية والإتقان.
سيبقى الأحتفال بالمولد النبوي الشريف رمزًا للولادة الحقيقية للإنسان الحُرّ والمجتمع الفاضل، ونورًا يستضاء به كلما أظلمت المسالك، وداعيًا دائمًا للتمسك بالرحمة والعدل والسلام.
في المولد النبوي الشريف
كلمات : نبيل الجمل
نُورٌ أطلَّ على الدنيا فأحياها
وبددَ الليلَ عن وجهِ الورى طَهَا
يا أفضل الخلْقِ يا من جئتَ رحمةً
للكلِّ حياً هدىً أشرتَ مرساها
تلقيتَ آيَ الكتابِ الغرَّ مُحكَمةً
نُوراً مبيناً زكاها مَن تلقاها
بثقافةِ القرآنِ نرتجي عزَّنا
ونقتفي سيرةَ الهادي ونهجَ طَهَا
ونحنُ أنصارُ طه في مَواقِفنا
أجدادُنا نصروا الإسلامَ أحياها
مسيرةُ القرآنِ مدتْ في عروقنا
روحَ الإباءِ وبأسَ الحقِّ مبداها
لا نخشى في اللهِ طاغوتاً ولا صَنماً
بل نرتجي رضوةَ الباري وتقواها
وها هوَ اليمنُ المعطاءُ يفرشها
دروبَ حبٍّ لمن لِلحقِّ لبَّاها
توافدتْ أمةُ الإيمانِ حاشدةً
تملأُ السهولَ مع الأكنافِ رُباها
مليونياتُ الوفا قد أذهلتْ أُمماً
وبهرتِ الشرقَ مع أقطارِ دنياها
فما رأتْ عينُ تاريخٍ ولا سمعتْ
كحشدِ صنعاءَ في الدنيا ماسواها
حشودُنا أعلنتْ للكونِ قاطبةً
بأنَّ طه قلوبَ الشعبِ قد سناها
تدوي بصوتِ الولاءِ الحرِّ هادرةً
ترتلُ الآيَات ذكراً من ثناياها
تطوفُ في ساحةِ المختارِ فخرُهمُ
تواقَةً لنبيِّ العرشِ ترعاها
فيا رسولَ الهدى يا خيرَ من وطئتْ
قدمه فوقَ هذي الأرضِ أدناها
صلاتُ ربِّ الورى تترى بلا عددٍ
تغشاكَ والآلِ الكرام ومن والاها